الخميس، 26 ديسمبر 2024

زواج النصر الأكبر

زواج النصر الأكبر!

ها أنا أقف مع أهلي وأحبابي، أبنائي وأحفادي.. جيراني وأهل منطقتي.. بكل الحماس والحرية نهتف بالتنحي والاستقلال عن الحاكم الطاغي، منذ بدأت ثورتنا المجيدة التي انطلقت يوم الثلاثاء الخامس عشر من آذار/مارس عام 2011 ميلادية..
في الواقع لا نثبت على حال.. نقف أحياناً في أكبر ميادين بلادنا الحبيبة، بل وفي أصغرها.. ونسير ونمشي ونعدوا جموعاً وزرافات في الحواري، والأزقة والعطفات.. ومع كل بقعة وطأناها روينا دمانا؛ لنمحو بها سواد الاستبداد الذي اصطبغت به جدراننا وأراضينا وسمائنا طوال عشرات السنين الغابرة..
وبُسطت وامتدت الدماء تتبعنا بإصرار، ونحن نجذبها بجمال أرواحنا، وكأننا في نزهة تفتح لنا طاقة إلى جنة عرضها السماوات والأرض بأرخص الأثمان.. فرُحنا نتقاذف فيها حشوداً وأفراد..
لم نأبه بمَن يبقى، وبمَن يرحل.. غير أن كل البلاد من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها مجتمعين.. بدمشق ودرعا وحلب وحمص وحماة واللاذقية… أردنا غايةً واحدةً..
حرية وعدالة ورخاء..
لما نأبه بعد ذلك إذا كانت بالشهادة أم بالنصر..
وبرغم سني الكبيرة، إلا أنني لم أصب بخدش.. ربما لأنني جندي قديم.. ألفت الحروب.. وفي سلالاتي روح أجدادي الشوام الصناديد الذي فتحوا السند شرقاً، والأندلس غرباً، والأمويين الذي كانت دولتهم في دمشق أعظم حضارات الإسلام.. سلالاتي هي أفخر أنواع البشر التي رابطت على ثغور الحق عبر القرون، حتى أن نبينا بشر الناس جميعاً، فقال: عليكم بالشام فإنها صفوة بلاد الله، يسكنها خيرته من خلقه..
وها هنا بأرض دمشق وسمنا قائلاً: لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أبواب دمشق وما حوله..
فما أرفع فخرنا، وما أنبل جهادنا، وما أقوم عصابتنا المقسومة من أُمة محمد نبي آخر الزمان..
شارك والدي في العديد من الثورات في فترة الانتداب ضد المحتلين الفرنسيين، وأخصها الثورة السورية الكُبرى سنة 1925م.. حتى انتهى الانتداب بعدها بواحد وعشرون عاماً..
ها أنا أستعيد الذكريات الغائرة في القِدم، وأنا منزوي مع بعض أحفادي وأبنائي المجندين في جيش المُعارضة السوري، خلف أحد السواتر العتيدة، نتقي بها قصف ودك ذخيرة الجيش والمجرمين "الشبيحة" المُوالين لنظام السفاح، المتشبث بعرشه.. عرش الشر..
وفي يدي قلمٌ، وتحت سنه ورقٌ.. طال حنيني إليهما بعد منعي منهم سنين.. وأكتب مذكراتي ويومياتي، ولقد انتابني اليوم الانفعال إزاء محطات سريعة من حياتي، أردت تدوينها، ووجدت أنها ذات مغزى ومعنى مهم أردت توريثه للأجيال اللاحقة من نسلي وأجيال وطني المتوالية..
***
في شبابي كنتُ ضابطاً حديث السن بالجيش السوري، وعاصرت الوحدة بين مصر وسوريا، ولم يكن أحداً أسعد بهذه الوحدة مثلي، فأنا أعشق مصر وكأنني أنتمي إليها انتماء الولد إلى أبيه.. ولا عجب فلقد تزوجت من مصرية سنة 1958م.. كانت "عزيزة" ضابطة اتصالات في الجيش المصري، كانت فتاة بالغة الجمال، لا يعرف الناظر إليها سنها الحقيقي، والحقيقة أنها تبدوا دائماً أصغر من سنها.. غير أن الزواج لم يبقى طويلاً، وطلقتها عام 1961م لخلاف نشأ بيني وبينها دعمه رفض بعض أهلي لها بخلافهم معها، ويُمكن تلخيصه في عُقمها !.. وأعترف أنها أحبتني طويلاً، ولم يكن حبي لها بأقل منها، غير أنها بقت على ودادها ووفائها الخالصين لي حتى عام 1971م، تراسلني وتأمل في عودتي إليها من جديد.. ولكنني فضلت الابتعاد، وإن كانت علاقتنا ظلت على الحياد، أو في محور الصداقة، والرسائل القصيرة المُتبادلة فحسب..
وفي النهاية توقفت هي عن الاهتمام بي، وقبلت بالأمر الواقع، وبدأت تهتم بنفسها.. تزوجت مرتين، ثم ضلت طريقها بين عدد من الأصدقاء الفاسدين الذين لعبوا بها طويلاً بمعرفة زوجها الأخير، وإن بدت مُتماسكة صلبة ذات كرامة عُليا، حتى كلت في النهاية، ورضخت لألاعيبهم.. وكل بضع سنين تقترن بأحدهم في السر في علاقات مشبوهة بموافقة زوجها الأخير، حتى باتت في أرذل صورة وأحط مكانة..
أما أنا فقد استقللت بحياتي، تزوجت من سورية من نفس موطني، "رفاء" حبيبتي وأُم أولادي، عشنا معاً بانسجام وتوافق، وإن لم نخلوا من الضغائن الطبيعية التي تسود كل بيت.. كما اشتغلت بالصحافة والأدب قليلاً، وركزت على السياسة والأدب بشكل محدود للغاية، ودخلت في تناحرات داخلية مع أطياف مجتمعية مختلفة !..
وفي خضم ذلك فوجئت أنا و"عزيزة" بهجوم العدوان الإسرائيلي على أرض سيناء المصرية، وهضبة الجولان السورية سنة 1967م.. وكانت الرسائل بيننا ما زالت متبادلة في هذا الحين.. لم يكن في يدنا شيء لنفعله، غير أن نرفض هذا العدوان، ونرفض التفاوض فيه، وسوى ذلك أن نراقب هزيمتنا !.. لقد استهلك العدو وقته في تحصين مراكزه في كلا الأرضين.. حيث أنفق مبالغ طائلة في تحصين مناطق مرتفعات الجولان، وصنع فيه خط "آلون"، وفي قناة السويس غرب سيناء صنع خط "بارليف"..
ولكننا لم نمكث طويلاً، إذ قامت معارك محدودة على خطوط وقف إطلاق النار بين العدو الإسرائيلي وكل من سوريا ومصر.. فعُدت لصفوف الجيش السوري، وشاركت في هذه المعارك، التي سُميت بـ(حرب الاستنزاف)..
وعرفت أن "عزيزة" انضمت لجيش التحرير المصري، تُساهم بقدر كبير من خبرتها العسكرية.. وفي الواقع أبهرني كل ما وصلني عن إنجازات المصريين في حرب الاستنزاف.. للدرجة التي شعرت معها بالغيرة !.. وتمنيت أن يكون لسوريا نفس القدر من الإنجازات.. فلقد شعرت أن زوجتي السابقة هي التي تتفوق عليَّ، ولستُ أنا !..
برغم أن لا صلة بيننا رسمية إلا أن حبها لم ينفصل عني، ولقد ولّد حبها في كياني وانفصالي عنها ـ بسبب الخلافات التي قامت بيننا ـ مشاعر متناقضة.. الحب والغيرة منها.. فكبريائها كان أكبر من رجولتي !.. وقد كانت مشاعري تُراودني بالرجوع إليها حُباً وهياماً بها.. ولكن عندما شعرت بتفوقها عليَّ، تبينت مدى استغنائها وقدرتها على الاستقلال عني..
***
بعد عدة سنوات، عرفت أنها تزوجت من رجل مصري، يُدعى "منير السيد"، وكان ضابطاً أيضاً، مغواراً وجريئاً، حماها، واهتم بها، وعالج لها عُقمها، وبرغم ذلك فالعجيب أنه لم يُرزق منها بأي أطفال !.. وتعاطف "مُنير" كثيراً مع سوريا، وراقه أن يتواصل مع السوريين من أصدقاء زوجته السابقين، خاصةً أنه كان يعرف مدى وضوح موقفي من زوجته بأني لا أريد وصالاً بسبب رفض أبي وأعمامي وبعض أشقائي لها.. واستطاعت العلاقات السياسية أن تُقرب بيننا بشكل محدود.. فتزاورنا، وتمنينا أن نتعاون في تحرير أراضينا من العدوان الغاشم..
وفي عام 1973م تحققت أمنيتنا، فلقد تم التعاون بين سوريا ومصر لاسترداد الأراضي العربية التي اغتصبت في النكسة.. ولقد كان ذلك في منتهى السرية والتخفي..
وانخرطنا سوياً في جيشي بلدينا الذي استعين به لتحقيق النصر على الأعداء، والحق أن الجانب المصري قام بمجهود عظيم، لم يزيدني إلا إعجاباً بالمعدن المصري..
كنا في عمل متواصل وشديد السرية، وأستطيع أن أقول أن روحي وروح "عزيزة" وزوجها "منير" كانت متشابكة متعانقة باستمرار في هذه الحقبة العصيبة..
في خلال شهور استطعنا مع الجبهة المصرية أن نُجهز للحرب، ونُنسق طريقة الهجوم على المغتصبين... وحددنا الموعد..
وفي الساعة الثانية ظُهراً، يوم السبت السادس من أكتوبر، انطلقت الطائرات والترسانة المصرية تُهاجم خط بارليف في قناة السويس، وتخترقه لتدخل إلى شبه جزيرة سيناء، وخلال ست ساعات استطاعت القوات المصرية أن تحقق نصراً عتيداً، كبد العدو خسائر فادحة..
أما القوات السورية فقد بدأنا هجومنا في نفس التوقيت أو قبله بخمس دقائق، وخضنا حرب تشرين التحريرية.. بدأ الهجوم السوري الشامل على تحصينات العدو ومواقعهم في عمق الجولان..
واستطعنا خلال يومين أن نُحقق نصراً وضغطاً على العدو، جعله يتراجع متقهقراً، ويُخلي مَدنييهم المستوطنين في كل الجولان..
في اليوم الثامن استطاع العدو أن يستعيد نفسه، ويقوم بعمل هجوم مضاد.. ومنذ هذا اليوم ولمدة إحدى عشر يوماً قامت بيننا وبين العدو معارك عنيفة قُرب القنيطرة وسنديانة وكفر نفاخ والخشنية والجوخدار وغيرها من المناطق.. غير أن تمتع العدو بسلاح الدبابات ودفعهم بالاحتياطي حول ميزان القوى لصالحهم.. وكان مجهودنا ضعيفاً وغير متوازن، لخسراننا دباباتنا في الهجوم الأول، ولتهاوننا في الدفع بالمزيد من الألوية..
واستمرت المعارك في هذه المدة حتى الثامن عشر من تشرين، وإن بقت المناوشات بين الطرفين قائمة..
وفي 22 تشرين صدر قرار عالمي بوقف جميع الأعمال الحربية !!..
وقبلت مصر بالقرار مع إحساس بالنصر والتمكن !.. في حين لم نكن نحن قانعين بالنتيجة.. فرفضنا القرار.. كل فرد سوري فينا حُر رفضه من أعماق أعماقنا، أمام المكاسب التي حققتها مصر أكثر منا عسكرياً.. وبدأنا حرب جديدة أطلقنا عليها "حرب الاستنزاف" هدفها تأكيد صمود الجبهة السورية، وزيادة الضغط على العدو لإعادة باقي مُرتفعات الجولان، ومنافسة مصر في نصرها، والاستحواذ على أراضينا كاملة قبل منها بالجهاد والدم بدل الطُرق الدبلوماسية السخيفة.. ولقد كان هذا يُحقق مطامحي، وغاية آمالي في التفوق على غيرتي المُتنامية من "عزيزة" بوجودها مع "منير" !..
وتركزت حربنا الاستنزافية على العدو على جبل الشيخ بالجولان، استمرت اثنين وثمانين يوماً، حققنا فيها انتصارات هائلة، وحدنا، بعد خروج مصر من المعركة، وكبدنا فيها جيش العدو خسائر كبيرة..
ولولا توسط الولايات المتحدة لكنا حققنا مكاسب أكبر من أهدافنا.. ففي حزيران سنة 1974م تم التوصل لاتفاق لفض الاشتباك بين سوريا وإسرائيل، أخلت الأخيرة بموجبه مدنية القنيطرة وأجزاء من الأراضي التي احتلتها عام 1967م..
ورفعنا في الرابع والعشرون من الشهر علم سوريا مرفرفاً في سماء مدينة القنيطرة.. غير أن الأعداء المُفسدين كعادتهم المتأصلة لم يتركوا المدينة إلا بعد تدميرها تدميراً مُنظماً.. وقررنا عدم تعميرها إلا بعد إعادة كل منطقة الجولان إلى السيادة السورية..
كانت أيام عصيبة علينا كجنود واجهناها بكل لحظاتها المريرة القاسية الدامية بعيداً عن كل الأهل والأحباب، عزائنا أننا نذود عنهم استحواذ المُعتدين المُفسدين أعداء الله الملاعين..
كم بذلنا دمائنا لنحظى بالنصر والمجد، لنهبه لنفوسنا وبلادنا وذوينا وشعبنا..
غير أننا بعد إعادة التقييم الشامل، راحت الآراء تخرج وتتضارب.. رأي يقول أننا لم نحظى بنصر مؤزر.. ورأي يقول أن لا مصر ولا سوريا حصلا على نصر يُعتد به، بدليل أن العدو انسحب، وأعاد تتريس نفسه، وأخضع الأطراف الأُخرى للسلم والهزيمة.. ورأي يقول أن المكاسب المصرية أكثر من المكاسب السورية؛ بدليل حصوله على كل الأراضي المصرية، وآخرها طابا في آذار، عام 1988م، ورأي آخر يقول أن مكاسب السوريين هي الأعلى، بدليل تكبيدها العدو خسائر فادحة على مر شهور طويلة من بدأ الحرب..
وفي الوقت الذي راحت مصر تحتفل بنصرها، خاصةً بعد استعادة طابا.. كنا ما زلنا نحن السوريين حائرين، ولا نُسلم برأي مُعين.. وأعتقد أن هذا الجو الفكري المضطرب قد ترسب بقوة في نفوس السوريين على مدى العقود المتوالية..
لقد نقمت على "عزيزة" وزوجها.. وتجنبتهم؛ حتى لا أدخل معهم في سجال الإشكالية، فالمصريين تمسكوا بهذا النصر، وعاشوا فيه بكل كيانهم.. غير أنني لا أُنكر أن مجهود المصريين للترتيب لهذه الحرب كان أعظم من السوريين.. لذلك لم أشأ أن أواجهها، أو أن أحتك بها فيما بعد..
وهذا الموقف وهذه النتيجة التي خلفتها الحرب، هي عين ما جعلني أصاب بعُقدة متلازمة !.. فعلى مر السنين وحتى الآن لدى كل السوريين ــ على الأقل للمتفائلين منهم ــ إشكالية في نصر أكتوبر !.. هل هو للمصريين وحدهم، أم أنه نصر كذلك للسوريين الذين لم يحصلوا بعد على كل أرض الجولان ؟!!..
***
بعد تسع سنوات.. عرفت أن "مُنير" زوج "عزيزة" تُوفي في حادث سياسي أليم..
وبعد شهور طويلة تزوجت من ضابط ثالث مصري اسمه "حسين بركات" كان صديقاً حميماً لزوجها أو هكذا قيل لها، أُعجب بشخصيتها وجمالها، فعرض عليها الزواج بكل سهولة، وقبلت بكل بساطة، وبعد سبع سنوات، عام 1988م رُزق منها بطفلة أسموها "نصرة" بناء على طلبها، وفاءاً لزوجها "منير"، الذي كان يأمل أن يُرزق بـ"نصر" أو "نصرة"، فبسبب علاجه لها استطاعت أن تحمل "عزيزة" بـ"نصرة"..
كان "حسين بركات" غشيماً، وضعيفاً، ومُخادعاً، ولم يكن مؤهلاً للمسؤولية، وكانت الفرصة سانحة لبعض الفاسدين من حوله أن يستغلوه، ويستقووا عليه، ليتسربوا إلى "عزيزة" الجميلة، ويقيموا معها علاقات غير محمودة !.. ولقدرتهم على التحكم به، لم تستطع المسكينة أن تتمرد عليه أو تُسوء من علاقتهم به، وفيما بعد عرفت أنه يُسهل لهم عمليات التحرش بها جنسياً للتستر على خسائره الفادحة في القمار، واستغلال وظيفته في الاختلاس والتزوير !.. وما خفي كان أعظم، إذ أنها سمعت بمشاركته في عمليات اعتقال عسكرية، تقوم على الاضطهاد والتعذيب والقتل !..
وصلتني رسائلها وهي في غاية القهر والدمار.. ولكن لم يكن في حيلتي شيء لإنقاذها مما هي فيه.. ربما لانشغالي بالعمل السياسي الخاص ببلدي، الذي انغمست فيه حتى قمة رأسي، بعد أن استقر الحال، وظهرت الانتقادات، اتجاه أداء وزارة الدفاع في الحرب، حيث تكشفت تباطؤات وتخاذلات وخلافات أدت إلى الهزيمة أو شبه الهزيمة، وشبه النصر !..
وراحت الحكومة ترسخ لسياستها الداخلية، وقام رأس الحكومة بالإصلاحات، وبنا الجيش المُتهالك بعد الحرب.. وظهر بمظهر الظافر في حرب تشرين التحريرية، في الوقت الذي كان شعبنا المُثقف مختلف في آرائه إزاءها !..
وكما في مصر حيث سيطر الحزب الوطني على الحكم، وتسيد على كل الأحزاب، كذلك حكم الحزب الواحد في سوريا، "حزب البعث"، بسلطة مُطلقة، وحُكم حازم.. وبرغم إنجازات الحاكم في التعليم العالي والرياضة واهتمامه بحقوق المرأة إلا أنه كان سادياً، قمع نظامه بكل وحشية ودموية أي مُعارضة وإن كانت سلمية، وقمع الحركات الشعبية والإسلامية المُنادية بالحرية والعدالة وتداول السلطة..
وبما أني كنت ميالاً لفكر حركة الإخوان المسلمين في سوريا فلقد كرهت نظامه واستبداده، الأمر الذي اشترك معي فيه كثير من الإسلاميين من الإخوان وغيرهم، والذين أعلنوا العصيان، ودعوا لإسقاط النظام الحاكم.. فدخل الحاكم معهم في نزاع عنيف.. والذي لم أكن أُرجحه، غير أنه سامهم سوء العذاب.. واستطاع أن يمحقهم ويقمعهم ويُحاصرهم، وقضى عليهم بوحشية شر قضاء.. ولم تظهر بعدها أي حركة مُعارضة سورية تُذكر، سواء في داخلها أو خارجها..
ولقد عرفت فيما بعد أن هذه الاحتجاجات قادها شباب حُر من كل الأطياف السورية، طالب بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية.. ولكن قوات الأمن والمخابرات السورية، ومليشيات موالية للنظام سُميت بـ "الشبيحة" وقتها واجهتهم بالرصاص الحي !.. وأعلنت الحكومة بعدها أن هذه الحوادث من فعل متشددين إرهابيين من شأنهم زعزعة الأمن القومي، وإقامة إمارة إسلامية في بعض أجزاء البلاد !..
وبذلك فهمت أن الإخوان أبرياء من العُنف، وأن الحكومة زيفت الحقائق، وشوهت صورة الحركة الإسلامية..
وشعرنا أن البلد تقودت بالكامل تحت امرته، بما فيها كل أهلها !.. واستطاع الوغد أن يُكممنا سنين طوال..
ولقد سُجنت واعتقلت فترة بسبب آرائي السياسية، وبعد فترة وجيزة عُفي عني بعد تهديدي بتعذيب أهلي.. وفترت همتي طوال تلك المدة عن السياسة، وانشغلت بتربية الأولاد والأحفاد، مع وجودي في الجيش، الذي خرجت منه معاشاً مبكراً...
لم يكن في يدنا شيئاً لنفعله حينما تولى بعد وفاته ابنه الجزار الشاب سنة 2000م، والذي لم يكن أفضل من أبيه.. في بداية حكمه أحدث انفراجاً في مجال الحريات، ولكنها كانت فترة وجيزة خُدعنا بها فيه..
الحق أنني كنتُ مُعجباً بسياسته الخارجية إلى حدٍ ما، إلا أنه لم تسرني سياسته الداخلية نهائياً، والتي كانت طبق الأصل من دموية واستبداد المُستأسد أبيه.. ولا عجب فهذا الشبل من ذاك الأسد، كما يقول المصريون.. 
ولم يعد الناس يطيقون هذا الحُكم الظالم السفاك للدماء، والمُكمم للأفواه والمُكبل للهمم..
في أحد الأيام قامت الثورة التونسية بدعوات على شبكة التواصل الاجتماعي من شباب حُر، وهالتنا جُرأة الشعب العربي هناك، وتحديه، واستماتته في الحصول على حريته من الحاكم الظالم هناك، والذي إن اختلف شكله، فإن الشخصية الشيطانية هي هي التي يحملها شقيقه المجرم حاكمنا.. والتي يتوحد فيها كل حُكام الدول العربية الشقيقة..
لم يمضي أسبوعان حتى وقعت الثورة الشعبية المصرية، بدعوات مماثلة على شبكات التواصل الاجتماعي(Face book)..
وفوجئت في اليوم الأول لاندلاعها، بوصول رسالة سرية عبر بريدي الالكتروني من "عزيزة" زوجتي السابقة، التي ما زال حبها مكنوناً في قلبي برغم طعوني في السن.. أخبرتني فيها بأسلوب مُتعب ولكنه مُفعم بالتحدي، أنها هربت ورفعت قضية خُلع على زوجها، وهددته عن طريق محاميها بفضح أسراره إن لم يُطلقها.. ومع توتر الجو العام طلقها، ومن فورها اختفت هي وابنتها، عنه وعن جميع أصدقاءه الفاسدين، وفي يدها عنهم ملفات خطيرة، لن تُخرجها إلا في الوقت المُناسب.. وأنها تنوي الانخراط في الثورة حتى يتم تحقيق جميع مطالبها، فإما الشهادة، أو النصر والعيش بقية عمرها في كرامة وحرية وعدالة ورخاء..
كتبت لي بأسلوب حزين ومُتفائل في ذات الوقت:
( لقد اختفى جمالي المطموع فيه، إنني الآن عجوز شمطاء.. غير أن عزائي الوحيد في ابنتي التي حميت عنها طويلاً، وعزلتها عن الجو الفاسد الذي أُحيطت به سنوات.. إنها أجمل مني خَلقاً وخُلقاً.. سأعيش لها بقية حياتي، وسأتفانى في تهيئة كل ما حولها فرص للعيش من بعدي بكرامة وعزة وغنى وحضارة ).. 
فرحت للغاية برسالتها، وهنأتها على تطهرها، وولادتها من جديد، وتمنيت أن تقوم في سوريا ثورة مثل التي قامت في تونس، والتي ستقوم في مصر.. فالذي يحدث في سوريا من ظلم وقهر ودموية لا يقل أبداً عما يشيع في كل البلدان العربية تحت حُكم متسلط شيطاني يتبع سياسة عالمية مكروهة وبغيضة..
وتتبعت الثورة المصرية بكل كياني.. الثورة السلمية التي أذهلت العالم، ونالت مديح رموز الفكر والسياسة العالمية قاطبة.. وكعادتي اجتاحني شعورين مُتناقضين.. شعور بالإعجاب، وشعور بالغيرة !..
بعد ثمانية عشر يوماً أسقط المصريون رأس الحية التي حكمتهم طوال ثلاثون عاماً.. تمسكوا بالاحتجاجات والمظاهرات السلمية.. وما زالوا يتمسكون بها، برغم المؤامرات والمكائد التي تعمد إلى تفريق الصفوف، وتفتيت قوة الشعب، وإخماد الثورة.. غير أنني أرى أن يد الله فوق أيدي جماعتهم المتوحدين على الحق..
في أعماقنا نحن السوريين تأججت نيران الثورة، وشعرنا بأن دورنا عليه أن يحين.. ها هي ثورات الربيع العربي تهب، وتُحوله إلى عاصفة هوجاء تكتسح كل ما نبغضه، بصدورنا التي طاقت إلى النور والتنفس الحُر، الذي طالما كُبت واحتُبس..
طوال اثنان وأربعون عاماً مضطهدين ببلادنا في كل شيء.. لابد أن نهب نحن أيضاً بدورنا.. فسوريا ليست في ذيل الشُعوب الحُرة.. بل هي سيدة، لا بد أن تُسابق، وتُنافس وترتقي..
لن نرضى بأن نتأخر، عن زفاف الحرية الدائر.. إنها دعوة ومنحة من الله للتحرير والخلاص والرفعة، لابد من اغتنامها، والتنافس في نيلها.. وسوريا بلد مجيدة شماء ليست أقل من مصر العظيمة..
ولكأنما تسربت تلك الخواطر لكل سوري حُر، وقامت الدعوات على الـ(Face book)، والتي دُعمت بكثير من مظاهر قتل وتعذيب أهلينا من قبل النظامين المتجبرين المتواليين، حيث أحصوا 6317 شهيداً موثقاً، غير آلاف الجرحى والمصابين، بالإضافة إلى حالات الاغتصاب وانتهاك الأعراض والأموال لشعبنا السوري.. وانتشرت الدعوات وآلاف الأسباب للثورة في كل المنتديات الافتراضية والأرضية، والمقاهي، والمُلتقيات.. انطلقت تُحدد تاريخ بدأ الثورة السورية العزيزة بعد بضعة أسابيع.. وخلالها شُحذت النفوس السورية الشماء بالجهاد والإخلاص ورُوح التصميم، وُهم بانتظار الخروج على أحر من الجمر..
وبعد اثنان وخمسين يوماً من بداية الثورة المصرية، اندلعت الثورة السورية..
في تحدي متفجر لم يسبق له مثيل.. بدأت بمظاهرة صغيرة في دمشق.. اعتقل النظام منها كل المتظاهرين منهم أطفال، وفي اليوم التالي خرجت مظاهرة تطالب بالإفراج عن المعتقلين.. ولما لم يستجيب النظام.. كان هذا بمثابة الفتيل الذي فجر الثورة بلا خمود.. فخرج الشعب السوري من عدة مدن، من دمشق ودرعا وحمص وغيرها من المُدن، وخرجت بعد أن أرسلت رسالة قصيرة إلى "عزيزة"، راجياً وصولها إليها، ودعتها فيها، وذكرت لها حبي المكنون نحوها، وأنها نقلت إليَّ رُوح العزيمة أنا وكل شعبنا السوري.. لن نتوانى حتى نحقق نصراً كاملاً عتيداً، نسترد فيه أرضنا كلها من كل أعدائنا، بالداخل والخارج، بديلاً عن هزيمتنا في حرب تشرين التحريرية، نحرز ذلك، أو نفنى جميعاً في سبيله..
خرجت المظاهرات قاطبةً من عشرات المُدن السورية، وواجهها الأمن بوحشية تفوقت على وحشية أعتى مجرمي الأرض.. وكنا نرجوا سلمية مُظاهراتنا مثل ما تحرته ثورة المصريين أمام عُتاة الإجرام هناك.. ولكن وحشية النظام الضارية أجبرتنا على الاشتباك معها..
وجرت اسطوانات مشروخة لتطور الأحداث وتعامل الحكومة معها بنفس ما جرت في تونس ومصر.. حاول رأس الحية تهدئتنا، ولكننا لم نكف عن الخروج أبداً، بلا أي اكتراث لمجهوداته الفاشلة..
خرجنا كل يوم.. اعتصمنا في كل الميادين.. بتنا في الشوارع، لا نحلم إلا بنصر الشعب.. بنصر جهودنا..
واحتشدت أيام الجُمع المُتواصلة كل أسبوع بالبرايا.. كأننا في سلسلة نزهات فريدة من نوعها، تليق بنزهات الربيع العربي السائدة..
تساقط القتلى في كل مكان، بالصواريخ والمدافع، وترسانة الجيش كلها، أُعدت لنا، وتسلط الجيش "والشبيحة" علينا لردعنا، والانتقام منا.. إنهم جزارين بشر، وليسوا ببشر.. تحولت سوريا كلها إلى مجازر بشرية مرعبة.. هدموا على الساكنين عمائرهم، ودفنوهم تحتها.. لا أستطيع أن أنسى الأُم التي احتضنت طفلها، وأخرجوها من تحت الردم متيبسة، نُقلت إلى قبرها على هذه الحالة.. لا يُمكنني أن أنسى أبنائي من الشباب وهُم يتفجرون وتتناثر أشلائهم من حولنا، ويُلملمها المُسعفين والثوار الذين تحولوا إلى حانوتية، أو جامعي بقايا بشر !.. لا أنام من كثرة ما شاهدته من الأطفال الصغار المتفحمة جلودهم، والمبتورة أطرافهم، والمقطعة أبدانهم، والممصوصة دمائهم.. آلاف الأطفال.. ألاف الشباب استشهدوا وأعملت المتفجرات من كل الأنواع الحية والمحرمة دولياً أثرها في أجسامهم..
استشهد 29797 سورياً، مُوثقين فقط، في 536 يوماً، بمعدل 56 شهيد يومياً، واستشهد من الأطفال أكثر من 2346 ذكراً وأنثى.. واستشهد من النساء أكثر من 2442 امرأة..
لكأنني أعيش كابوساً مُريعاً، لا يُمكنني الاستيقاظ منه أبداً.. أو أُشاهد شريطاً تسجيلياً أحيا بداخله، يحوي كل مشاهد وأنواع الرعب التي أفرزتها قريحة شياطين الإنس والجن منذ بدأ الخليقة حتى الآن !..
ولم تنجح الجهود العالمية والدولية أن تصنع لنا شيئاً !.. لم يفلح شقائقنا العرب في إنقاذنا !..
برغم أن كثير من السوريين كانوا يستغيثون لنجدتهم، إلا أنه في قرار نفسي كنت أريد أن يُجاهد أبناء وطني بأيدهم وحدهم، وأن يأتي النصر من عند الله، من طرفنا فحسب..
كنت أهرب أنا وأحفادي وأبنائي من مكان لمكان، وأتتبع الأخبار باستمرار..
ولأنني كنت جندياً قديماً في حرب تشرين التحريرية، فما أن واتتني الفرصة حتى وجدتني أنضم للمقاومة السورية، برغم شيخوختي !.. ولقد وجدت لنفسي ملاذاً لأتخلص من عقدتي القديمة منذ حرب تشرين، وغيرتي من المصريين، وبالأخص من مطلقتي المصرية !.. فها هي الفرصة لنحظى بالنصر كاملاً، وأتفوق عليها.. ها هي منافستي التي طالما حلمت بها، وقد كنت أظن أنها خبت.. ولدي حدس أنني ما دُمت قد عشت حتى الآن، فإنني بحول الله وأذره سأنال بغيتي، وأُحقق تفوقي وقوامتي كرجل..
هكذا امتد الشعور إلى كل السوريون من أمثالي المرابطين على ثغر الجهاد والثورة ضد الظلم..
لما سأمت القوى العالمية الخسيسة من مصر، أو أنها وكلت خسيسين آخرين بها.. أرسلت جهودها وشياطينها إلينا ليُجهضوا ثورتنا، ويُطفئوا شعلة ثورة الربيع العربي من عندنا.. لم يفلح الأبالسة بالمكر بنا، وكان الله في عوننا، ومكر لنا عليهم.. وحاق المكر السيئ بأهله.. وفي إحدى العمليات الفريدة لجيش المقاومة والتحرير، رمى الله بأيدينا، فحصدناهم حصداً، جعلهم كالعصف المأكول..
لقد ألمح لي تجمعهم الشيطاني هذا بخاطرة شفت صدري وأثلجته بدرجات عالية.. ذلك يُثبت ما لسوريا من أهمية ورفعة.. أنها بلد لا يُشق له غُبار.. بلد مُؤثر في الريادة والساحة العربية والعالمية.. بلد في أهمية مصر، وموقعها الاستراتيجي والسياسي والجغرافي والتاريخي..

استمرت ثورتنا طويلاً زهاء عن ثمانية عشر شهراً؛ بسبب تأييد شعبي داخلي لا يُستهان به للنظام، وتأييد خارجي من بعض الدول الحليفة التي لها ثقل في العالم.. ومع ذلك فلدينا إصرار أسطوري صلب، مع جريان أنهار الدماء التي حرمها الله بين أقدامنا المُكافحة في الثورة؛ للارتقاء عالياً.. بمجدنا.. بنصرنا.. والإطاحة من علٍ بكل رايات الإجرام والظلم والطُغيان..
إن كان لدى العالم عجب من طول صمودنا، مع استشهاد العشرات منا كل يوم.. فإن السر يكمن في أننا نريد نصراً خالصاً.. نريد ثورة تكنس كل النفايات التي خلفها الحكم الفاسد المُستبد.. لا نريد تكرار التجربة في حرب تشرين التحريرية.. حربنا هذه المرة مع النظام المتجبر الأخطبوطي.. حرب بمعنى الكلمة، مع اختلاف موازين القوى المتباين..
ولأننا نصرنا الله، فلقد ثبت الله أقدامنا.. هذا هو بوح السر..
وأملي أن ألتقي بـ "عزيزة" إذا حييت، لأهديها نصر سوريا الكامل، وإذا استشهدت فلقاءي لها في الجنة سيكون.. حيث نعود زوجاً واحداً، ومن حولنا أشقائنا وأهلي وأهلها راضيين مرضيين..

عُمرسُليمان_القَشوطي
#عمرسليمان_القشوطي


التسميات: