مدينة الركام
مدينة الرُكام
شتاته أرهقه سنين، بعد انفراط أسرته، امرأته وأولاده، لم تبغ الحفاظ على عُقدة الرباط الموثوق بينهما، وأولادهما لم تفلح في احتضانهم.. رغم ذلك فقد تخلوا عنه؛ لأنه زوج وأب مُعاق منذ الحرب الأخيرة، التي تركت كثيرًا من بني جلدته بلا أطراف مُقطعين كالدجاج المُعد للولائم العربية الكريمة.. انفكت عنه أسرته في بُقعة مجاورة، وبقي وحده يُقاوم إعاقته وسيطرة والده وإخوته الذكور؛ من شِدة تدخلاتهم في شؤونه؛ ضريبة سكنه معهم بعدما انهار عُشه الزوجي في الحرب، امتلك كل منهم مَسكنَين. فيما اختاره هو في الموقع الذي أراده، وهو لم يملك أن يُشيد أو يشتري سكنه الخاص.
ظل يُراسلني رَدحًا من الزمن يبثني همومه؛ صديقان من قُطرين مُختلفين تلاقت أرواحنا إنسانيًا، تشابه وضعنا العائلي اجتماعيًا، واتفق وجداننا إبداعًا فنيًا في الرسم التشكيلي.. حتى توقفت رسائله الافتراضية منذ بدأ الحرب الراهنة على قِطاع موطنه، حاولت كثيرًا الاتصال به وبجميع معارفه للاطمئنان عليه، لكن يد الحرب قطعت كل صِلات الرحم والمحبة والأسلاك وموجات الهوائيات، فأبقتهم معزولين مُحاصرين.
شهور مرت بانقطاع تام عن أخباره هو وسائر حيه..
انشغلت بحياتي عن تفاصيل الحرب معكم، تلك التي لا تنتهي فيها طلباتكم المتلاحقة ولا احتياجاتكم السطحية المُستفزة.
عملت فوق عملي الأساسي عملًا إضافيًا بعد العصر حتى الثانية عشر ليلًا؛ حتى أسد نفقاتكم المُتزايدة، تخليت فيها عن فني ولوحاتي وألواني، وكذلك ورش الرسم والمعارض الفنية المبدعة التي نشغف بها نحن الفنانون. ضحيت بكل عالمي الصغير من أجل أن يعيش كل فرد فيكم ـ أمكم وأنتم ـ عالمه الرحب برفاهية، أفضل مما تعيشه كثير من الأُسر حاليًا وعِشناه أنا وجيلي قديمًا.. لديكم كل وسائل الراحة في بيت آمن. تأكلون مُهدرين الطعام رُبعه ونصفه أحيانًا يؤول إلى القمامة لأن ليس لديكم شهية له في اليوم التالي! تشربون ماءً صافيًا من (المُرشح) ذي السبع مراحل وأصناف العصائر الغالية التي لا تنفذ من ثلاجة البيت العامرة. تتسامرون على هواتفكم الحديثة مُتحدثين أحاديث النسوية المتمردة بين الكيد والغيرة والمُنافسات، وطوال الوقت تلتقطون بها صُوركم وبهاءكم الذي أوفره لكم من كدي وعرقي. تنامون على أسرتكم الناعمة هانئين حتى الظُهيرة تحلمون بالسعادة فيما أنكم تعيشونها! تدرسون في مدارس خاصة أنتم الثلاثة، وأمنح كل فرد منكم دروسًا خاصة طمعًا في شهادات تفوق وتكريمات علاوة على نجاحكم الباهر؛ ثم يأتيني منكم مَن يخرج بمُلحق، أو ينجح مقبولًا! لو أردت مُتابعة الأخبار قبل خمداني مُرهقًا تُنحوني بوقاحة وتحتلون مكاني أمام التلفاز لمتابعة المسلسل التركي العاطفي أو برنامج ممثلين (السيما) المُتبطلين حتى الفجر، دون مُراعاة لراحتي ولا لفواتير الكهرباء والمياه والغاز و(الانترنت) الهادرة طوال الشهر والتي أتجشم عناء تكسبها من صحتي وعُمري وسهري وطموحي المردوم. ثم لا أحظى بمعاملة طيبة منكم ولا من أمكم التي لا تمنحني ليلة حمراء إلا كل أسبوعين بشق الأنفس، وتضع لي طعام العشاء في المطبخ لتناوله إذا كنت جائعًا دون أدنى تقدير، كلكم تحصلون على مصروفكم مُستوفي أعلى من مستوانا الطبقي ولا ينالني من مُعاملتكم سوى أبخسها وأوضعها!
لا تعرفون كم أتوق الآن لترككم لألحق بصديقي العزيز "عِز سلام" هناك في الأرض المحتلة؛ نُفورًا منكم؛ لتعلموا قيمتي الحقيقية.. أقول لكم ذلك؛ لأنه أخيرًا وصلتني رسالة منه عبر مُسعِف تابع لمؤسسة صحية دولية، صَور لي رسالته المكتوبة على ورق مُتهرئ أطرافه مُحترقة، وسعَّت كل صورة تحوي صفحة لأقرأ خطه الثابت الجميل:
(صديقي العزيز "قابيل نديم"، أخيرًا استطعت مُراسلتك، أُطمئنك على أحوالي، مدينتي سُويت بالأرض كُليًا، مدينة رُكام من الأنقاض والردم الذي تخلف عن ترسانة الحرب الجوية والبرية العتيدة.. لم يبقَ فيها بشر ولا حيوانات، ليس إلا بقايا بشر مُقطعي الأوصال أو مُنهاري الأعصاب. من الأرض وإلى الأرض نعود، لم أمت، لكني تحت الأرض. الحمد لله، هذا قدرنا، وقدر كل مُقاوِم؛ أن نحيا تحت الأرض. استوحيت الفكرة من سورة الإسراء ذاكرة الجُسوس داخل أساس الديار، أنقاض الديار. ومن كل كُتب الأدباء الذين كتبوا عن المدينة الطالحة التي يتجبر فيها ثُلة مُتشرذمة على أُمة مُستضعفَة تسكن باطن الغبراء تعيش فيه آمنة من غدر مَن هُم فوق البسيطة وتُجهِز للثورة عليهم لتسترد حُريتهم وأرضهم فوقها.)
ونعم، أنا أعلم بتلك النوعيات من أفلام المُعارضين للنُظم المستبدة التي شاهدتها صغيرًا في (سينما هوليود)، تُصور مقاومتهم من تحت الأرض.
في رسالته، يُفرِّق بين الخنادق للقتال ورُكام البنايات المُقتلعة من جذور الأرض؛ إنها طريقة جديدة للحياة، لم يكن يقبلها أحد، كل مَن بقي من أهل المدينة نزحوا ولجئوا هروبًا من الدمار الراكض فوق الأراضي المحتلة. مَن لم يستطع الرحيل بقي ينتظر الموت من جراحه النازفة أو جوعًا مع الحصار وانعدام الغذاء والشراء، وهو كان يُمكنه النجاة بحياته مع عَرجته الثقيلة مع مَن نجي من إخوته ورحيلهم، لكنه الوحيد الذي فضل البقاء قُرب بيت أبويه القديم الذي تقوضت أركانه فوق سكانه من بعض أقاربه في البناية..
الآن يُمكنه إيجاد مثوى، سكن، له وحده، دون مال ولا وسيط ولا أي مُقابِل، إن كل المنطقة مُتاحة له تحت الأرض.. يصف كاتبًا:
(لن أصعد بأعلى أي بناية قائمة لصعوبة حركتي، سأهبط تحت أي رُكام وأسكن، غُرف مائلة شيدتها الصواريخ لوحات سريالية فِعلية من أحجار وخرسان ومُتعلقات في أوضاع غير اعتيادية، كل الأركان مائلة، العواميد مُقوضة؛ إنها صيحة المعمار الحديث في بلاد تُقاوم جهلها ومرضها وفقرها واحتلالها، وسيلة جديدة للفن الخلاق لا يُمكن لفنان مهما كان موهوبًا أن يرسم تلك الآثار أو يُصممها أو يُشيدها.. الفنانون وحدهم الذين يمكن أن يتلاءموا مع وضع الغُرف المُنقلِب.
اخترت مَوضع شقة والديَّ القديمة بالدور الأرضي المردومة نصفها بالطوابق المُتصدعة فوقها، أثر بعد عين، لكن فيها الذكريات الجميلة بآلامها قبل أمالها. سكنت في فجوة نافذة إليها كوصيد كهف مُتهدِّل أمامها أسلاك غفيرة مُمزقة كستائر أنيقة، رُحت أُهيئ سكني بنشاط وحماس، شاهدني جيراني المُحتضرين في دهشة، حانت مني التفاتة بعيني المُتحدية تجاه عيونهم اليائسة المُتناثرة أجسادهم على طول الطريق المُنظَم على جانبيه رُكام العُمران، ثم أشحت عنهم مُنهمكًا في عملي، حتى إذا أعددت مجلسًا على وصيدي لأرتاح عليه قليلًا من تأثيث كهفي؛ سمعت أحدهم من بعيد يستهمهم:
ـ ليختار كل واحد منكم ركامًا يجر نفسه إليه ليموت فيه بدلًا من العراء.
قبل غروب الشمس عثرت حول رُكامي على ثلاجة مُحطمة تتناثر حولها الأطعمة، حملت منها ما يكفيني، ورجعت إلى عُشي، قضمت بأسناني كسرة خبز، وتحولت إلى جيراني المُحدقِين فيَّ من خلال فجوات رُكامهم، رفعتها عاليًا بوجهٍ مُبتسم، ثم أكملت تناولها بعدما قعدت في مجلسي.
مرت أيام، نتأقلم حسب احتياجنا، أُشكل حياتي فيحيون من ورائي كزَهر يتعافى ويزدهر داخل أوكار رُكام كل منهم؛ اثنان أو ثلاث أو أربع معًا أو مُتفرقين في رُكام واحد: ذلك الكمود المُهشم يُمكن وضعه بجوار مرتبة عمودية رُبعها مدفون تحت الأنقاض، تلك التي أنختها قليلًا لتنحدر في وضع سطحي كي يتمكن جسدي المُشوّه من الثبات عليها دون التدهور على الحروف المُدببة والصلدة. إني أتسلق من الداخل ممرًا لولبيًا للصعود لأعلى فتحة تطل على الشارع المُترب وأكوام الرُكام الأخرى المتخلفة عن كل بناية كانت قائمة قبل تشكيلها الخلاق مُوزعة بانتظام في الجهات الأربع.. المنظر الآن أجمل، البنايات المهدومة لا تحجب الشمس، السماء مكشوفة كُليًا للتأمل والشرود، وتُنير لنا إضاءة أسطع داخل الدهليز المؤدي إلى شقتي الأرضية السريالية، تلك التي ألتقط من ثناياها المُكدسة بالأنقاض بقايا الطعام.
الآن لا يُمكن أن تنهدم البناية مرتين، الرُكام خراب يقر عين المُعتدي ولا يلفت نظره سوى المعمار السامق البديع كي يمد يده في بنائه بطريقته التي تروقه.
رَممت عددًا من الأشجار المُجتثة؛ الزيتون والصنوبر والسرو والليمون.. عندما تجمعت قوتي أنا وبعض من عشيرتي حفرنا تحتها لأعماق غائرة، بحيث لا نُتلفها؛ كي نستمد الماء للشُرب.. بعض حُفر الانفجارات سهلت علينا صُنع منابع مياه من مواسير المياه المدفونة في الأرض.
بعض من النساء المُستضعفات مع سيارات من الإسعاف التي تمر عابرة مُحمّلة بعدد من المُسعفين الذين يُعلنون اكتظاظ المستشفيات بالجرحى والضحايا ونفاذ الأدوية؛ يشتركون في الربط على جراحنا بطُرق بدائية تُعيننا على تجاوز مُصابنا لمجرد العيش. لكنهم يجدوننا بخير، وينقلون طريقة عيشنا إلى الصحفيين وذوي الأحياء المُدمرة حديثًا.
لم نعد نسمع طائرات تمر من فوقنا، نسمع فقط أغلب الوقت أصواتًا بعيدة لانفجارات وأضواء باهرة في الليل.. لا نبكي، بل نُنادي في الظلام:
ـ الله أكبر عليكم. يومكم آتٍ. قتلانا في الجنة، ومآلكم إلى النار.
تَعودنا الخشونة، وتأقلمنا مع الأوضاع الجديدة، ذلك ما تربيت عليه مثل كل جيراني وأهل مدينتي، نحن تواقون لأن نبقى هنا في موطننا الغالي بين بعضنا في أكناف أمجد بقعة في العالم.)
إنهم يعيشون من لا شيء، إن كنت أستحي، فبماذا تشعرون؟ عندما أقرأ رسالة صديقي المُناضِل عما يُواجهه فإني أشعر بعدم جدواي، فماذا أُثبت وأتحدى وأصنع لأولادي المُدللين الذين لا يُعيرون بالًا سوى لأنفسهم ورفاهيتهم! لن تنفعكم حينما يحين دورنا.. منذ بدء الحرب الحالية لدى قِطاع صديقي، سألني ابن عمكم ذو الخمس سنوات، عندما زُرت والده من شهرين:
ـ متى يدخل المُعتدين ديارنا؟
لم أستطع إجابته، أحسست كأني في دوامة توقفت فجأة لأُدرك حقائق تخطفتها من أفواه بعض الناس وسُويعات مُتابعتي للأخبار عن الأحداث السياسية العالمية والعربية المتصلة منذ سنين وحتى الآن، كلها تصرخ بقُرب احتلالنا وتعديهم علينا.. فماذا سنفعل حينها؟ وكيف سنُواجههم بضعفنا وتثاقلنا ورخاوتنا التي نعيشها في أسلوب حياتنا المُلهي؟ كيف سنعيش؟ هل سنعيش؟
بعد رسالته الأخيرة، غاب مرة أخرى لشهور، والحرب لا زالت مُشتعلة، انقطعت عنهم كل أُسس العيش العصرية، آلة العدو تُطلق أرواح مئات الضحايا إلى السماء، أبكي كل يوم عليهم من فَوادح الصور المنقولة عبر الصحافة على وسائل التواصل الاجتماعي التي أُتابعها على هاتفي الذكي، أدخل صباح كل يوم على صندوق رسائلي لأتفقد أي رسالة منه عبر أي غريب يُراسلني، مشاعري مُختلطة بين القلق والأمل، أخشى أن يُبلغني هلاكه، فأتغاضى عن الاهتمام مُفضِلًا أن يبق أملي قائمًا عن انسحاقه بالخبر المؤلم. أتدرون معنى ألا يملك أحدكم أيًّا من أساسيات العيش ثم يعيش؟ هذا هو الأمل الذي عَودني عليه صديقي هو وقومه.
أخيرًا، تهديني الأقدار رسالة أخرى مُصورة عبر صحفي أمين، هل تذكرون عندما تلقيتها كيف رقصت وصِحت في فرحةٍ عارمة، كأني عُدت من الموت، وأبديتم جميعًا اندهاشكم من حماركم السقيم الذين لم تروه في تلك الحالة قط في أدعى المناسبات فرحًا؟
رسالته الخَطية المُصورة تعني حياته، قرأتها بلهفة:
(اطمئن، نحن صامدون، في مدينة الرُكام الخراب آمان، إنني مرتاح في سكني الجديد المُحطم، أنا وكل جيران حينا المُتراكم..
الساحة التي تتوسط الأكوام، أصبحت مأوى لعدد من الأطفال النازحين من مناطق مجاورة مُدمرَة بالكامل، عاشوا بيننا ليشعروا بأمان الحياة بجوار صمودنا، يلعبون بكرة كونوها من ملابس مُمزقة وحجارة وأكياس مُترابطة بإحكام.
بعدما نتناول وجبتنا الوحيدة في الصباح مما نلتقطه من نبشنا عن الأطعمة المدفونة بين الأنقاض أو من ورق الشجر أو من ثمارها التي نستولدها برعايتنا؛ يتسلق كل رُكام بناية ثُلة من الجرحى والمبتورين نُمارس فنوننا المطمورة في نفوسنا، يصعد على أحدها مُؤذن عذب الصوت في ساعات يومية موقوتة، في رُكام آخر تصدح فتيات وشباب ينشدون ويغنون تُراثنا الديني والوطني والعاطفي يتنافسون به كل يوم بنغمات أصواتهم الصداحة، ويفاجئوننا كل أيام بكلمات جديدة وألحان طروبة.. ثمة رُكام للعبة الشطرنج يأمل لاعبيها الفوز في بطولات عالمية.
رُكامي أُعلِّم عليه الرسم لكل أفراد حينا، نرسم أنا ومهووسي الفن لوحات زاهية بما كنت كدسته من دفاتر رسم وقماش أبيض مُخصص لمشاريع لوحات عملاقة استخرجتها من ردم بيت والدي وبيوت أشقائي.. نصنع الألوان من كل مظاهر الطبيعة حولنا، كثير ما يغلب اللون الأحمر على صفحات لوحاتنا، نستمدها من جروحنا غير المُندملة بعد، نمزجها باللون الأخضر المُستمد من أوراق الشجر.. نعرضها قُربنا على حواف الأحجار المنهارة مُصطفة، يقف أمامها أهل الحي المدمر يتأملونها يسعدون أنهم بداخلها رغم اللونين الأحمر والأسود، كثير منها مُعبِر عن مستقبل العدو، يُصورها الإعلاميون الجسورين المُبتهجين مباشرةً إلى العالم.
ثمة رُكام مميز بالنسبة لي، تقف عليه الشمس برَونقها حين تُشرق ساعة ونظري يرمقها مَشدوهًا مأخوذًا مُعجبًا.. تلك المُعلمة صغيرة السن ذات العوينات المُقعرَة، والزي المُحتشِم المُعين على الحركة تُذكرني بأول مدرسة في ألمانيا واليابان بعد الحرب.. إنها تصعد لتُقابِل الزهرات والأشبال ثم تنطلق تجوب منطقة الحُطام كلها المتجاوزة خمسة كيلومترات طرفي النهار والليل يوميًا، حتى عندما يُفزِّع أسماعنا قصف الفن المُعادي في المناطق حولنا؛ تبحث عن أطفال ومُراهقِين كالرجال يريدون فتح الكُتب التي بين جناحيها ولو مرة.. لا تبخل عليهم بكل معارفها.)
كان مُنجذبًا لها، يراها أُم وامرأة مُخلصة ووفية لوطنها وأهلها، كيف لا يُمكن أن تكون نِعم زوجة لرجلها الوحيد؟! ولو أنها تبدو كما لو أنها تزوجت وطنها المنكوب، بيد أنهما يتشاركا الفيض والعطاء على مَن حولهما من فضل طاقتهما وفنهما وعِلمهما. كم هي مُلهمة لبناته الهاربات اللاجئات لدينا هنا. هكذا يُحملني نشر قصته لعلهن يَرونَها ويقرئنها هُم وأمهم يومًا ما فيُدركون قيمته.. هذا أقصى أمنياته بشأنهن.
يتساءل؛ هل يُمكنه أن يحيا مرة أخرى بامرأة تبني معه أسرة في مدينة منكوبة؟ لكنه مُتخوف من تكرار التجربة، يقول:
(في الماضي أُفعمت مشاعري بالرقة، مُعاملتي اتسمت بالمرونة، عقليتي نشأت هادئة.. بعد كل تلك السنين من الصمود والمقاومة والعناد ومقاومة الأزمات والكوارث والمِحن، تحولت طبيعتي إلى الشِدة والتمسك بالرأي والبَأس، لستُ غشيمًا في الأصل، إنني أعيش مرحلة ما بعد طبيعتي، إنها المُعاناة التي غلفت شخصيتي بغلاف من الجمود والجبروت، إنه الابتلاء العظيم الذي يصنع من طفل بريء رجل مُقاوِّم عتيد، ومن طفلة رقيقة امرأة حَمولة حاضنة للأبطال.
خشيتي من مُفاتحتها هو ما يُقلقني، لكني واثق أنها ورثت جبروتًا مثل جبروتي ضد أعدائنا، لن يطال إلا إياهم، وستُعوضه مع زوج تتحمل صعوبة مراسه ويتحمل غفلتها، نحفظ أسرارنا التي لا تخرج من وراء رُكامي؛ لأننا نفس واحدة تسكن إلى زوجها ليلًا؛ ما يُعينها لتكون نِعم المَثل من قومها الجبارين على عدونا نهارًا.)
لم أعد أستقبل منه رسائل منذ ذلك الحين، بيد أني كرهت حياتي هنا، أود لو أعيش معه هناك، أو ليمتد العدوان إلى هنا لنبدأ من جديد، كالزَهر الشائك الجميل، من تحت الأنقاض.
عُمرالقَشوطي
15/7/2024م
التسميات: قصص
